ابن الجوزي

59

صيد الخاطر

الكل . وكذلك من كان له رأي من كلامه ثم رجع عنه ، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ذلك ، فهذا وجه التأويل للعلماء ، فأما المتزهدون ، الذين رأوا صورة فعل العلماء ، ودفنوا كتبا صالحة لئلا تشغلهم عن التعبد ، فإنه جهل منهم ، لأنهم شرعوا في اطفاء مصباح يضيء لهم ، مع الاقدام على تضييع مال لا يحل . ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم ، يوسف بن أسباط ثم لم يصبر عن التحديث فخلط فعدّ في الضعفاء . أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك ، قال أخبرنا محمد بن المظفر الشامي ، قال أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي ، قال حدثنا يوسف بن أحمد ، قال حدثنا محمد ابن عمرو العقيلي ، قال حدثنا محمد بن عيسى ، قال أخبرنا أحمد بن خالد الخلال . قال : سمعت شعيب بن حرب يقول : قلت ليوسف بن أسباط « 1 » كيف صنعت بكتبك ؟ قال : جئت إلى الجزيرة ، فلما نضب الماء دفنتها حتى جاء الماء عليها ، فذهبت . قلت : ما حملك على ذلك ؟ قال : أردت أن يكون الهم هما واحدا . قال العقيلي : وحدثني آدم ، قال سمعت البخاري قال قال صدقة « 2 » : دفن يوسف ابن أسباط كتبه ، وكان بعد يغلب عليه « 3 » ، فلا يجيء كما ينبغي ، وقال المؤلف قلت : الظاهر أن هذه كتب علم ينفع ، ولكن قلة العلم أوجبت هذا التفريط ، الذي قصد به الخير ، وهو شر . فلو كانت كتبه من جنس كتب الثوري ، فان فيها عن ضعفاء ولم يصح له التمييز قرب الحال . إنما تعليله بجمع الهم ، هو الدليل على أنها ليست كذلك ، فانظر إلى قلة العلم ، ما ذا تؤثر مع أهل الخير . ولقد بلغنا في الحديث عن بعض من نعظمه ونزوره ، أنه كان على شاطئ دجلة ، فبال ثم تيمم ، فقيل له الماء قريب منك ، فقال خفت أن لا أبلغه ، وهذا وإن كان يدل على قصر الامل ، إلا أن الفقهاء إذا سمعوا مثل هذا الحديث تلاعبوا به ، من جهة أن التيمم ، إنما يصح عند عدم الماء . فإذا كان الماء موجودا ، كان تحريك اليدين بالتيمم عبثا . وليس من ضرورة وجود الماء أن يكون إلى جانب المحدث ، بل لو كان على أذرع كثيرة ، كان موجودا ، فلا فعل للتيمم ، ولا أثر حينئذ . ومن تأمل هذه الأشياء ، علم أن فقيها واحدا ، وإن قل أتباعه ، وخفت إذا مات أشياعه ، أفضل من ألوف

--> ( 1 ) العالم الزاهد المجاهد المتوفي سنة 190 . ( 2 ) صدقة بن الحسين الناسخ راجع الفصل ( 211 ) . ( 3 ) أي يضطر إلى التحديث بلا كتاب .